ابن الأثير
58
الكامل في التاريخ
وكان زنكي يرسل أيضا إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه ، فلو فارق مكانه لتخلّوا عنه ، ويرسل إلى فرنج الشام يخوّفهم من ملك الروم ويقول لهم : إن ملك بالشام حصنا واحدا ملك بلادكم جميعا ، فاستشعر كل من صاحبه ، فرحل ملك الروم عنها في رمضان ، وكان مقامه عليها أربعة وعشرين يوما ، وترك المجانيق وآلات الحصار بحالها ، فسار أتابك [ زنكي ] يتبع ساقة العسكر ، فظفر بكثير ممن تخلّف منهم ، وأخذ جميع ما تركوه . ولما كان الفرنج على بزاعة أرسل زنكي القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد اللَّه بن القاسم الشهرزوريّ إلى السلطان مسعود يستنجده ، ويطلب العساكر ، فمضى إلى بغداد ، وأنهى الحال إلى السلطان ، وعرّفه عاقبة الإهمال ، وأنه ليس بينه وبين الروم إلا أن يملكوا حلب وينحدروا مع الفرات [ 1 ] إلى بغداد ، فلم يجد عنده حركة ، فوضع إنسانا من أصحابه ، يوم جمعة ، فمضى إلى جامع القصر ، ومعه جماعة من رنود العجم ، وأمر أن يثور بهم إذا صعد الخطيب المنبر ، ويصيح ويصيحوا معه : وا إسلاماه ، وا دين محمداه ! ويشق ثيابه ، ويرمي عمامته من رأسه ، ويخرج إلى دار السلطان والناس معه يستغيثون كذلك ، ووضع إنسانا آخر يفعل بجامع السلطان مثله . فلما صعد الخطيب المنبر قام ذلك الرجل ولطم رأسه ، وألقى عمامته وشقّ ثوبه ، وأولئك معه ، وصاحوا ، فبكى الناس وتركوا الصلاة ، ولعنوا السلطان ، وساروا من الجامع يتبعون الشيخ إلى دار السلطان فوجدوا الناس في جامع السلطان كذلك ، وأحاط الناس بدار السلطان يستغيثون ويبكون ، فخاف السلطان ، فقال : أحضروا إلي ابن الشهرزوريّ ، فأحضر ، فقال كمال الدين : لقد خفت منه مما رأيت ، فلما دخلت عليه قال لي : أي فتنة أثرت ؟ فقلت : ما فعلت شيئا . أنا كنت في بيتي ، وإنما الناس يغارون للدين والإسلام ، ويخافون
--> [ 1 ] الفراة .